أحمد بن علي القلقشندي

200

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أقدار المستمعين ؟ وليس غايته إلا الكسب والتّعرّض والانتفاع والتّرنّح ؛ وعلى هذا يدور شكر المستأكلين ، وإحماد المتكسّبين . وهذا الباب وإن جعلته العوامّ شكرا ، فهو بغير الشّكر أشبه ، وبذلك أولى ؛ وربّما كان شكره عن تأنّق وتذكير ، وعن تخيّر وتخيير ، وعن تفقّد للحالات ، وتحصيل للأمور في المقامات التي تحيط بمهجته ، وبحضرة عدوّ لا يزال مترصّدا لنعمته ؛ فربّما التمس الزيادة في غبطه ، وربّما التمس شفاء دائه وإصلاح قلبه ، ونقض المبرم من معاقد حقده ، على قدر الرّد ، وعلى قدر تصرّف الحالات في المصلحة ، لأن الشاكر كالرّائد لأهله ، وكزعيم رهطه ، والمشار إليه عند مشورته ؛ فربّما اختار أن يكون شكره شعرا : لأن ذلك أشهر ، وربّما اختار أن يكون كلاما منثورا : لأن ذلك أنبل ، وربّما أظهر اليسر وانتحل الثّروة ، وجعل من الدّليل على ذلك كثرة النّفقة ، وحسن الشّارة ، ويرى أن ذلك أصدق المدحين ، وأنبل الشّكرين ، ويجعل قائده إلى هذا المذهب ، وسابقه إلى هذا التّدبير قول نصيب ( 1 ) : فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب ! وممّا يدخل في هذا الباب وليس به - قول العنزيّ ( 2 ) : يا بن العلاء ويا بن القرم مرداس إنّي لأطريك في أهلي وجلَّاسي حتّى إذا قيل : ما أعطاك من صفد ؟ طأطأت من سوء حال عندها رأسي ! أثني عليك ولي حال تكذّبني بما أقول فأستحيي من النّاس ! وبين هذين الشّكرين طبقات معروفة ، ومنازل معلومة . وموضع الشّكر

--> ( 1 ) هو نصيب بن رباح ، أبو محجن ، مولى عبد العزيز بن مروان . شاعر من الفحول . والشعر هنا من أربعة أبيات قالها في حضرة سليمان بن عبد الملك ، بحضور الفرزدق . توفي نصيب سنة 108 ه . ( انظر الشعر والشعراء : 197 والأغاني : 1 / 334 - 377 ) . ( 2 ) هو عمرو بن المبارك بن عبد الملك العنزي ، الورّاق . شاعر ماجن خليع له أخبار مع أبي نواس . توفي سنة 200 ه . ( معجم الشعراء : 218 ) .